أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

574

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : مِنْهُما في محلّ جرّ صفة ل « تراض » ، فيتعلّق بمحذوف ، أي : تراض كائن أو صادر منهما . و « من » لابتداء الغاية . وقوله : وَتَشاوُرٍ حذفت لدلالة ما قبلها عليها والتقدير : وتشاور منهما ، ويحتمل أن يكون التشاور من أحدهما مع غير الآخر لتتفق الآراء منهما ومن غيرهما على المصلحة . قوله : فَلا جُناحَ الفاء جواب الشرط ، وقد تقدّم نظير هذه الجملة « 1 » ، ولا بدّ قبل هذا الجواب من جملة قد حذفت ليصحّ المعنى بذلك تقديره : ففصلاه أو فعلا ما تراضيا عليه فلا جناح عليهما في الفصال أو في الفصل . قوله : أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أن وما في حيّزها في محلّ نصب مفعولا ب « أراد » وفي « استرضع » قولان للنحويين : أحدهما : أنه يتعدّى لاثنين ثانيهما بحرف الجرّ ، والتقدير : أن تسترضعوا المراضع لأولادكم ، فحذف المفعول الأول وحرف الجر من الثاني ، فهو نظير « أمرت الخير » ، ذكرت المأمور به ولم تذكر المأمور ، لأنّ الثاني منهما غير الأول ، وكلّ مفعولين كانا كذلك فأنت فيهما بالخيار بين ذكرهما وحذفهما ، وذكر الأول ، دون الثاني والعكس . والثاني : أنه متعدّ إليهما بنفسه ، ولكنه حذف المفعول الأول وهذا رأي الزمخشري ، ونظّر الآية الكريمة بقولك : « أنجح الحاجة » واستنجحته الحاجة » وهذا يكون نقلا بعد نقل ، لأنّ الأصل « رضع الولد » ، ثم تقول : « أرضعت المرأة الولد » ، ثم تقول : « استرضعتها الولد » هكذا قال الشيخ « 2 » . وفيه نظر ، لأنّ قوله : « رضع الولد » يعتقد أنّ هذا لازم ثم عدّيته بهمزة النقل ، ثم عدّيته ثانيا بسين الاستفعال ، وليس كذلك لأنّ « رضع الولد » متعدّ ، غاية ما فيه أنّ مفعوله غير مذكور تقديره : رضع الولد أمّه ، لأنّ المادة تقتضي مفعولا به كضرب ، وأيضا فالتعدية بالسين قول مرغوب عنه . والسين للطلب على بابها نحو : استسقيت زيدا ماء واستطعمته خبزا ، فكما أنّ ماء وخبزا منصوبان لا على إسقاط الخافض كذلك « أولادكم » . وقد جاء استفعل للطلب وهو معدّى إلى الثاني بحرف جر ، وإن كان « أفعل » الذي هو أصله متعدّيا لاثنين نحو : « أفهمني زيد المسألة » واستفهمته عنها ، ويجوز حذف « عن » ، فلم يجئ مجيء « استسقيت » و « استطعمت » من كون ثانيهما منصوبا لا على إسقاط الخافض . وفي هذا الكلام التفات وتكوين : أمّا الالتفات فإنه خروج من ضمير الغيبة في قوله « فإن أرادوا » إلى الخطاب في قوله : « وإن أردتم » إذ المخاطب الآباء والأمهات . وأمّا التكوين في الضمائر فإنّ الأول ضمير تثنية وهذا ضمير جمع ، والمراد بهما الآباء والأمهات أيضا ، وكأنه رجع بهذا الضمير المجموع إلى الوالدات والمولود له ، ولكنه غلّب المذكّر وهو المولود له ، وإن كان مفردا لفظا . و « فلا جناح » جواب الشرط . قوله : إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ « إذا » شرط حذف جوابه لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه ، قال أبو البقاء : « وذلك المعنى هو العامل في « إذا » وهو متعلق بما تعلّق به « عليكم » . وهذا خطأ في الظاهر ، لأنه جعل العامل فيها

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 230 ) . ( 2 ) البحر المحيط ( 2 / 218 ) .